فيلوغرافيا..بانوراما الخراب…وبصيص الامل الذي لا ينطفئ

بقلم
علي دنيف حسن
كاتب وصحفي وناقد عراقي
((نُطري دائماً المصابيح التي تنعم علينا بأنوارها.. بينما لا نلقي نظرة اهتمام على الأعمدة التي تحملها)) بهذه المقولة يستهل القاص حميد عمران الشريفي "فيلموغرافيا" وهي مجموعة قصصية تحتوي على (39) قصة قصيرة جداً. وهي تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالومضة القصصية. ذلك الفن الذي يحاول أن يرسخ نفسه كجنس أدبي يشار إليه بالبنان. ويبدو لي من خلال متابعتي لأعمال هذا القاص إضافة إلى العبارة التي استهل بها هذه المجموعة إنه كان وما يزال منشغلاً بالبناء العقلاني لنصوصه محاولاً إيجاد التبريرات المنطقية اللازمة كتربة خصبة يمكن لأقاصيصه القصيرة جداً أن تنمو فيها وتستمد منها الحياة الدائمة.
إلا أن هذا الانشغال الدائم هو الذي أطاح بروعة بعض القصص وجعلها تشي بالتكلف المصطنع والعجالة في القص التي لا تلد إلا أفكاراً لم تنضج بعد:
في سلة القمامة، وجد رغيفاً، فتعرى راقصاً
لانتصاره على الجوع.. ولما لم يجد ما يضعه في
الرغيف، وضع جسده في وسط الرغيف والتهمه
ويمكن القول إن غالبية قصص هذه المجموعة اعتمدت على فضاءات الفانتازيا للتحليق من خلالها. وهي محاولات لها القابلية الكبيرة على صدم القارئ لإعادة هضم تلك القصص وفلسفتها عبر قراءات متعددة، رغم أن الكثير من هذه المفارقات تبعث على مرارة الألم أكثر من بعثها على الفكاهة.
اكتشف البائع بعد الطبخ، إن الباقلاء حبلى بالدود
فكتب مضطراً – لافتة وضعها فوق عربته:
اجمع واربح !..
من يجمع مائة دودة يحصل على ماعون باقلاء إضافي
مداراة ص 11
إلا أن ما يمكن حسابه لصالح هذه المجموعة هو استلهام القاص حميد عمران الشريفي لخلفيات الواقع العراقي بعد سقوط الصنم في 9/4/2003 حيث نقرأ العديد من القصص التي تتضمن مشاهد قوات الاحتلال الأمريكي وهي تجر عرباتها الثقيلة في شوارع العاصمة بغداد وغيرها من المدن العراقية. إضافة إلى المشاهد اللاإنسانية والكارثية التي صنعها الإرهابيون بمختلف جنسياتهم وأهدافهم. ولم ينس القاص في غمرة انشغاله بالواقع الجديد هذا أن يُعَرِّج على مآسي النظام السابق وجرائم (الرفاق) الذين لاذوا بالفرار ومحاولة (حليمة) التي عادت مضطرة لعادتها القديمة في صنع تنانير الطين:
وتحركت غريزتها لصنع التنور بفعل رؤيتها التراب الذي امتلأت
به الأكياس التي رصدت كدفاعات في النقاط (الرفاقية البعثية)
التي توزعت في أطراف المحلة. فصنعت أول تنور من هذا التراب
متنزه في فك التنور/ ص35
ويبدو القاص من خلال مجموعته "فيلموغرافيا" قد حاول الإحاطة بالكثير من المشاهد اليومية للحياة في العراق، ابتداءً من مشهد الشاب الذي يغازل مجندة أمريكية جميلة ويتعلم
اللغة الإنكليزية لأجل ذلك ولكنه يكتشف بعد تعلمه عدة جمل مفيدة إن المجندة الجميلة قد استبدلت بجندي شديد السواد. ومشهد الكاتب الذي يبحث بين دخان المقاهي عن مسؤول صفحة ثقافية ليعاتبه على عدم نشر قصيدته الأخيرة.
























